رِحلَةٌ قَصيرَة فِي البَحث عَن ثَقَل الله الأصغَر فِي الأرض


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رَبّ العالمين، الذي منَّ عَلينا بِرَسُوله الكَرِيم وَنَبِيّه العَظِيم، لِيُزَّكِّيَنَا، وَيُخْرِجَنَا مِنَ الظّلُمَاتِ إلى النّور ، وَإلى الطّريقِ المُستَقِيم، وَأنْعَمَ عَلينَا بِأهْل بَيتِ نَبيّه المطَهَّرِين ، الذينَ قَرَنَهُم بِكِتَابِهِ المُبِين، وَاخْتَارَهُم مِنْ بَينِ بَريَّتِه أجْمَعِين ، لِيُواصِلوا نَهْجَ نَبيّهِ الأمِين فِي الدّعـوَةِ إلى الهُدى والدِّين، وَلِيَحْرُسُوا دِينَهُ مِنْ تَحْرِيفِ الغَالِين، وَانتحَالِ المُبطِلِين، وَتَأويلِ الجَاهِلِين، وَصَلواتُ الله، وَبَرَكَاتُه على محمَّـد وآله الطَّاهِرِين.
وبعد :
فإنّه ظهرَ لنَا من باب الإسهَام في خدمَة إخواني من الباحثين والباحثات عن الحقيقة في دينهِم ، تحريرُ رسالةٍ صغيرَة ، نرجو أن تكون بفضل الله تعالى ومنّهِ ذاتُ نفعٍ وفضل ، مفادُها أن يضعَ الباحث ثِقَلَه وجُلّ تفكيرِه على علاماتٍ ودلائلَ أوصى الله والرّسول (ص) باقتفائهِا ، وحتماً سيسهلُ معها التكليف بالبحث عن الحقيقة في ظلّ هذا الزّخَم الاختلافي العقائدي والفقهي عند أهل الإسلام على كثرَة فِرقِهِم وأقوالهِم ، وهذه الدّلالات والعلامات على الحقّ والهُدى هي من قول الرّسول (ص) مُوصياً أمّته : ((إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا من بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي إنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردَا عليّ الحَوض)) ، وهذا حديث الثّقلَين حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ في كُتب أهل الإسلام الحديثيّة ، فهَل تدبّرنا أطرافَ هذا الحديث المحمّدي يوماً ما ؟! الله تعالى يقول عن رسوله (ص) : ((وما ينطقُ عن الهَوى* إن هُو إلاّ وحيٌ يُوحَى)) ، ثمّ نحن مع ذلك نُهملُ التدبّر لحديثٍ تصنيفُه من أهم الأحاديث المحمديّة ، وحديث الرّسول (ص) كلّه مُهمّ ، هل احترتَ أخي المُسلم يوماً في معرفة طريق الحقّ ؟! هل عزمتَ يوماً على المُضيّ في رحلةٍ بحثيّة في طيّات كُتب أهل المذاهِب والنّحل ، ثمّ أظناكَ التّعب ، وآثرتَ الكَسَل ، فالتّقليد لآبائك وأهل بلدِك دونا عن مُتابعَة رحلتك البحثيّة ؟! بإذن الله أخي القارئ هذا البحث يُسهم أقلّه باليسير في توسّع أفُقِك وتغيير مسار بحثِك ، نعم! هذا وقد تعمّدنا صياغَته بصياغَة الباحث المُستفهِم ، المُناقِش والمجادِل ، المقرّر والناقِد ، وجعلنَا أساس النّقض والنّقد على سادات أهل البيت (ع) من الزيدية ، ولكنّ وجهَه عامٌّ لو تدبّرت ، فكان ممّا جاء فيه قولُنا بعد التّوكل على الله تعالى :
أنّه يحقّ لنا إخوتي في الله أن نسألَ والآخَرُ يُجيب ، أن نطلبَ والآخرُ يُحضِر ويستدلّ ، ثم نشتركُ جميعاً في النّقاش والتأصيل ، قالوا : أنّ مذهب الزيدية في انتمائه إلى أهل البيت (ع) مُنفصل ، ليسَ لهم من زيد بن علي (ع) إلاّ الاسم دون العقيدَة ، هكذا يقولون ، وكذلك يقولون في حقّ بقيّة أئمّة أهل البيت (ع) وانتماء الزيدية لهم ، كالإمام الباقر ، والصّادق ، وعبدالله المحض ، وأبنائه الأئمّة ، وأحمد بن عيسى بن زيد ، والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ، وغيرهم من سادات أهل البيت ، عليهم جميعاً الصلاة والسلام ، فأمّا الإمام القاسم بن إبراهيم الرّسي ومَن بعدهُ فقد بدّلوا أقوالَ سلفهِم من أهل البيت (ع) إلى الاعتزال والاجتهاد ونحوه ، وقليلٌ يقول أنّ هذا ليسَ من القاسم بن إبراهيم بل من الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (ع) ، ومَن بعدَه .
قُلنا : نحنُ وإيّا بعضكم الذين فهمنَا من حديث الثّقلين ، الذي هو قول الرّسول (ص) : ((إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا من بعيد أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي إنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردَ عليّ الحوض)) ، الذي فهمنَاهُ أنّ أهل البيت (ع) سيبقَى قولهُم العقائدي الأصولي هو المُلازمُ للقرآن ، هكذا فهمَ الزيدية حديث الرّسول (ص) ، وهكذا فَهِمَهُ القاري من أهل السنّة عندما قال مفسّراً للحديث السابق بما نقلهُ عنه أبو العلا في تحفته : ((والمُرادُ بالأخذ بهِم التمسّك بمَحبّتهِم ، ومُحافظة حُرمتهم والعمَل بروايتهِم ، والاعتمَاد على مَقالتهِم)) [تحفة الأحوذي:10/178] ، وكذلك نقل صاحب التحفة عن ابن الملك ، قال : ((وقَال بن الملك : التمّسك بالكتاب العمَل بمَا فيه ، وهو الائتمَار بأوامر الله والانتهاء عن نواهِيه ، ومعنى التمسّك بالعترَة مَحبّتهم والاهتدَاء بِهديهِم وسِيرَتهِم)) [المصدر السابق] ، ونقلَ أيضاً ، قال : ((قال الطيبي في قَوله : (إنّي تارك فيكم) إشارَةُ إلى أنّهمَا بمنزلَة التوأمَين الخَلفَين عَن رسول الله (ص) ، وأنّه يوصِي الأمّة بحُسن المُخالقة مَعهما وإيثار حقّهما على أنفسهِم ، كما يوصي الأب المُشفق النّاس فِي حقّ أولاده ، (ولن يَتفرّقا) أي كِتاب الله وعَترتي فِي مواقف القِيامَة،..، (فانظرُوا كيفَ تخلفوني) ،..، أي كَيف تكونُون بَعدي خُلفاء ، أي عَامِلين مُتمسِّكينَ بِهِمَا)) [المصدر السابق] ، وقال سعد الدين التفتازاني في معرض كلامه عن حديث الثقلين : ((ومِثلُ هذا يُشعِرُ بِفضلِهِم على العَالم وغَيره ، قلنا: نعم لاتّصَافِهم بالعِلم والتقوى مَع شرَف النّسب ، ألا يُرى أنّه (ص) قَرنَهُم بكتاب الله فِي كَون التمسّك بهِمَا مُنقذاً مِنَ الضّلالة ولا مَعنى للتمسّك بِالكتَاب إلاَّ الأخذ بمَا فِيه مِن العِلم والهِدَاية فكذا فِي العِترَة)) [شرح المقاصد في علم الكلام:2/303] ، وقال محمد بن محمد الفاسي المالكي مُتكلّما على حديث الثّقلين : ((كِتاب الله وسنّتي ، وفي رواية وعِترتي أهل بَيتي ، فجَعَل عَليه الصّلاة والسّلام النّجاة مِن الضّلالة فِي التمسّك بهَذين الثقلَين فَقط ، لا ثالِثَ لهُمَا)) [المدخل:4/287] ، وقال الذّهبي : ((وقوله (ص) : (لن يَتفرّقا) يدلّ على أنَّ إجمَاع العِترَة حُجّة وهَو قول طائفة مِن أصحَابِنا)) [المنتقى من منهاج الاعتدال:476] ، قلتُ : وقد أشارَ إلى هذا المعنى ابن تيمية ، وقال ابن حجر الهيثمي : ((والحَاصِلُ أنّ الحثّ وقَع على التمسّك بالكتَاب وبالسّنة وبالعُلمَاء بهِمَا مِن أهل البيت ويُستفادُ مِن مَجموع ذلك بَقاءُ الأمُور الثلاثة إلى قِيام السّاعَة)) ، وقال أيضاً : ((ثمَّ الذينَ وَقع الحَث عَليهم مِنهُم إنّمَا هُم العَارفون بِكتابِ الله وسنّة رَسوله (ص) إذ هُم الذين لا يُفارِقُون الكِتاب إلى الحَوض)) ، وزادَ قائلاً : ((وفي أحَاديث الحثّ على التمسّك بأهل البَيت إشارَةٌ إلى عَدم انقطَاع مُتأهِّلٍ منهُم للتمسّك بِه إلى يَوم القِيامَة كمَا أنّ الكِتاب العَزيز كَذلك)) ، [الصواعق المحرقة:2/439-442] ، نعم! هذا ولو زِدنا النظر في كتب الفرقَة السنيّة لوجدنَا أمثالَ هذا كثير ، مع عدَم التطبيق .
نعم! فالرّسول (ص) مات في العام الحادي عشر من الهجرَة المُباركَة ، فَبقيَ كلامهُ حجّةً إلى يوم القيامَه ، ليسَ ينطبقُ على أجيالٍ دون أجيال ، خصوصاً أحاديث الحثّ على التمسّك المُترتّب عليها النّجاة من الضلال ، حيث أنّها أعظمُ مُرشدٍ إلى بقيّة الأصول والفروع ، نعم! فثبتَ أنّ رسول الله (ص) حثّ على التمسّك بالكتاب وبعترتِه أهل بيتِه ، وأنّهما (الكتاب والعترَة ثقلا الله في الأرض) لن يفترقَا حتى يوم القيامَة ، المُتبعُ لهما ناجٍ، والمُخالفُ عليهِما خاسِر ، فيُستفادُ من هذا الحديث

عدّة أمور أشارَ إلى بعضها علماء السلفية في النّقل القريب السّابق ، منها :

1- أنّ الرّسول (ص) أوصَى عبادَه بالتمسّك بالكتاب (القرآن) ، وبأهل البيت (العُلمَاء منهُم) ، وعلّق على ذلك النّجاة وعدم الضّلال .
2- لابدّ أن تكون هذه العلامات المؤدّية إلى النّجاة موجودةً سهلٌ الوصول إليها ما بقيَ التّكليف ، وهذا هو الواقع ، فالقرآن الكريم موجودٌ بين أيدينا ، محفوظٌ مصونٌ عن التحريف ، وعلماء أهل البيت (ع) لابدّ وأن يكونوا موجودين ، يُفهّمون النّاس الكتاب ، ويستنبطون لهُم منه أصولَهُم والفروع ، والسنّة النبويّة الصحيحة فرعٌ من ذلك كلّه داخلةٌ معه .
3- أن يكونَ المُراد بالتمسّك (بأهل البيت) في الحديث التمسّك بأشخاص أو جماعَات ، بمعنى أقوال أشخاص عاشوا جيلاً وفهموا القرآن بفهمٍ اجتهدوا فيه ، أو قلّدوا فيه غيرَهُم من غير أهل البيت ، فدرّسوه للنّاس ، فاغترّ بهم النّاس لمكانهِم من النسب المحمديّ العلويّ الفاطميّ ، فيقول العامّة : هذا العالمُ من أهل البيت يُدرّس كُتُبَ الدّين ، فهُو أحدُ مصاديق حديث الثّقلين ، وهذا لا يصحّ ، لأنّ ذلك العالِم المحمّدي العلوي الفاطميّ لا يُدرّس علومَ أهل البيت واستنباطاتهِم وتأصيلاتهِم إنّما هُو في الحقيقَة يُدرّس وينشرُ علوم شيوخهِ غير المحمّديين العلويين الفاطميين ، فمَن خرجَ من الإسلام مثلاً من ذريّة عليّ وفاطمة وقام ينشرُ دين اليهود أو النّصارى أو أهل الإلحاد فإنّه بهذا الحال ليس بمُعتمدٍ على علوم أهل البيت السّابقينَ له ، بل مُعتمدٌ على أقوال اليهود والنّصارى وأهل الإلحاد ،ودَاخلُ

دائرة الإسلام فلو قام الشيخُ الفاطميّ يُدرّس النّاس عقيدَة وفقه الحنابلَة والحنفيّة والشافعيّة والمالكيّة مُستنداً في كلّ هذا على أقوال هؤلاء الأربعَة أصحاب المذاهب ، وحصّل وخرّج أقوالَهُم فهُو في الحقيقَة ليس ممّن يشملهُم حديث الثّقلين ولا ينطبقُ عليهم الحثّ بالاتباع ، فهم ليسوا بأهلٍ للاتباع ، عليه فالمُرادُ من حديث الثّقلين ، والحثّ على التمسّك بأهل البيت (ع) هُو التمسّك بالقائمين بنشر الكتاب وصحيح سنّة الرّسول (ص) في كلّ جيلٍ ، وهُم مُستندون إلى (الكتاب والعترة) ، وقولُنا : (مُستندون على الكتاب) وذلك لمكان عدم تبدّله على مرّ الأجيال ، وقولُنا : (مُستندون على العترة) ، لمكان أنّهم أهل الحقّ في سابق الزّمن وحاضرِه ، فكانَ علماء أهل البيت الموجودين في القرن الأوّل المُتّبعون للكتاب ولعليٍّ والحسن والحسين هُم الأولى بالتبعيّة ، ثمّ كانَ علماء أهل البيت الموجودين في القرن الثاني المُتّبعون للكتاب ولأهل الحقّ من علماء العترة ممّن سبقَهُم في القرن الأوّل ولعليّ والحسن والحسين ، هُم أولى بالتّبعيّة ، لأنّ علماء أهل البيت الموجودين في القرن الثاني لَو خالفوا على علماء أهل البيت الموجودين في القرن الأوّل وفهموا الكتاب بفهمٍ ناجمٍ جديد ، يكون قد وقعَ عليهم الاحتمال : فإمّا أن يكون القرن الأوّل خلا ممّن يُلازم المنهج الكتابيّ القرآنيّ الصحيح ولذلك ردّوهُ عليهِم أهل القرن الثاني عندما بدّلوا قولَهُم . وإمّا أن يكون : علماء أهل البيت ممّن عاصر القرن الثاني هُم من وقعَ في المُخالفَة لسلفهِم علماء القرن الأوّل وعلي والحسن والحسين ، وهذه فصورَةٌ واضحَة جليّة أخي القارئ نريدُ من خلالها أن تستدركَ أنّه لا يوجدُ فصلٌ على مرّ الأجيال من وجود علماء من أهل البيت (ع) يُتابعون ويُجمعون مع أسلافهِم على قولٍ واحدٍ في الأصول وأصول الفروع وهو بنصّ حديث الرّسول (ص) سيكون المُلازم للصحيح من التأويل والتفسير والاستنباط من القرآن الكريم ، وذلك أنّكَ متى لم تؤمن بأنّه يجبُ أن يكون هُناك جماعَة من أهل البيت في كلّ زمَن يقولون بالحقّ الذي ينطقُ به القرآن ، وأنّ هذا قد يحصُل على انقطاع ، فيوجدُ أمثال هؤلاء العلماء في أزمانٍ دون أزمان ، نعم! فإنّك متى قُلتَ هذا فقد أسقطتَ ثمرَة حديث الثّقلين ، وقُلتَ رأساً : بأنّ ثمرَة حديث الثّقلين مُنقطعَة ، حيث أنّ التكليف بالعمَل بهذا الحديث يُخاطب جميع المُكلّفين على مرّ الأزمان ، فوجود هاتين الدّلالتين على أرض الواقع لازمَة لأصحاب كلّ جيل للعمَل بموجِبه ، خلاصَة كلامَنا السّابق : أنّ المُراد بالتمسّك بأهل البيت (ع) في حديث الثّقلين هُو التمسّك بإجماعات أهل البيت خلفاً عن سلَف ، وأنّ الخلَف فيما يستجدّ من الأمور الدينيّة يكون معهم ألطافٌ توفيقيّة لمعرفة الحقّ من عدمه أكثرُ من غيرهِم من علماء الأمّة .

4- قد يُقال إنّ مذهب أهل السنّة والجماعَة قد حوى العشرات أو المئات من أسماء العُلماء ممّن ينتسبون إلى أهل البيت (ع) ، وتحديداً إلى عليّ وفاطمَة ، فهل هؤلاء ممّن ينطبقُ عليهِم حديث الثّقلين ، بمعنى هل هؤلاء العُلماء ممّن ضمنَ الله والرّسول مُلازمتهُم للكتاب ، وأنّ التمسّك بهم نجاةٌ من الضّلال والهلاك .
إن قيلَ هذا قُلنا : نجيبُ على هذا بطرح عدد من الضوابط ، التي يتم عرضُ حال كلّ عالمٍ علويّ فاطميٍّ عليها ، فإن خالفَ على أيّ هذه الضوابط لم يكُن من أهل الاقتداء والتمسّك ، خارجٌ رأساً عن التبعيّة المُنجيَة ، فمن هذه الضوابط :
الضّابط الأوّل :

أن يكون هذا العالمُ الفاطميّ مُستندٌ في استنباطِه وتأصيلِه واحتجَاجِه وإبرامِه على سلفهِ من أهل البيت ، فمتَى أصبح كثيرُ احتجاجه أصولاً ، وفروعاً ، واجتهاداً ، بعلماء العامّة من غير أهل البيت ، لم يكُن من أهل التبعيّة ، وممّن لا ينطبقُ عليهِم حديث الثّقلين ، مثالُه : عندمَا تسألُ العالِم الفُلاني السّني المذهب عن المسألَة الفلانيّة في العقيدَة ، فيُجيبُ العالمُ الفُلاني بفهمِهِ ، ثمّ يُقوّي قولَه بقول سلفهِ شيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيّم ، والذّهبي ، وأحمد بن حنبل ، والزّهري ، وابن المُبارَك ، ثمّ هو مع ذلك لا يَظهرُ له أن يُشيرَ إلى فهم علماء آبائه من أهل البيت ببعض تفخيم أو تدقيق لمكانهم من حديث الثّقلين ، بل هُو يرَى حالهم كحال غيرهِم من العلماء ، فإنّ هذا العالِم الفاطمي ليسَ بأهلٍ للتبعيّة والقدوة وأن يكون خلفَ السّلف الفاطمي الواجبُ علينا اتّباعهُم لمكان اعتمادهِ في فهمهِ على فهمِ علماء لم يحثّ الله والرّسول (ص) على التمسّك بهم ، كما حثّ على التمسّك بعلماء آبائه الفاطميين ، نعم! وعكسٌ من ذلك العالم الفاطميّ الدائم الإشارة والاحتجاج بأقوالِ سلفه من أهل البيت في المسائل عند الاحتجاج ، وعند الاستنباط ، وعند الترجيح ، فافهمَ هذا .

فرعٌ من الضّابط الأوّل :

وهُو أنّ العالِم الفاطمي المُستقي علومه من غير سلفه باعتمادٍ رئيسيّ ، فإنّه ربّما يُحيل إلى كلام علماء فاطميّون ممّن سبقَه ممّن طريقهُم هُم الآخَرين إلى سلفهم مُنقطعِ ، مُعتمدون على غيرهم في التأصيل والاستنباط أو التقليد ، فيظنّ الباحث أنّهم بهذا قد كوّنوا سلسلَةً فاطميّة ، وهذا لا يصحّ لمكان انقطاع المُحيِل والمُحاَل إليه عن السلسلة العلويّة الفاطميّة ، أضف إلى ذلك أنّك نادراً ما ترى العالم الفاطميّ المُتأخّر الذي يُحيلُ إلى العالم الفاطميّ السّابق له والذي قد يُعتبرُ من المُتقدّمين أو من المتأخّرين ، نادراً أن تجدَ عقائد العالِمَين مُتطابقَة في الأصول تماماً ، ومثالُه اعتماد سلفّ الفرقَة السنيّة على علماء من بني فاطمة من الأشاعرة وهم مُختلفون معهم في أمورٍ كثيرَة عقائديّة ، أو العكس ، ولسنَا نخصّ السلفيّة والأشاعرة ، بل نضربُ هذا على أغلب المذاهب ، خصوصاً أنّك لو تعمّقت في دراسَة سلف السلفيّة مُفسّرينَ وأصحاب حديث وأهل جرحٍ وتعديل وأصحاب أصول وفقه لوجدَت عدداً منهم ليس باليسير مُختلفون في مسائل الأصول ، كمسائل التأويل للصفات ، والقَدر ، وخلق القرآن وغيرها ، فيكون ذلك العالم الفاطميّ المُعتمدُ على هؤلاء العلماء سواءً كان منهم فاطميّ أم لم يوجَد ، قد اعتمدَ على علماء مختلفِين ، ظهرَ واشتهرَ من حالِ مذهبهِم عقيدةٌ ما ، فُعمِّمَت عليهم باعتبارهِم من السّلف ، فنقولُ عقيدة السّلف في مسالة الصفات كذا ، وأنتَ عندما تُفتّش أقوال هؤلاء السّلف تجد منهُم من يُخالفُ على هذا الذي نُقلَ عنهُم ، وهذا أصلٌ مهم ، شواهدهُ على مذهب الفرقَة السلفيّة سهلَة التتبّع ، وليسَ أقلّ ذلك إلاّ اعتمادهِم تقليد أربعَة من التابعين اعتماد رئيسي في مسائل الفقه والاجتهاد وهي دون الأصول والعقائد!! ، ولا نعمّم هذا فقد يعتمدُ بعضهم على غيرهم من السّلف في القليل من المسائل كتقليد سفيان الثوري ، أو إبراهيم النخعي ، أو الحسن البصري أو غيرهم ، ولكنّ من يعتمدُ هذا هم القلّة ، فإن ذُكِرَت آرائهم فمِن باب المُتابعة لقول إمامهم العُمدَة صاحب أحد المذاهب الأربعَة ، وإن كان الترجيح رُجِّح قول الإمام العُمدَة ، نُعيدُ ونقول أنّ هذا هو في الغالب الكثير للمذاهب السلفيّة .

الضّابط الثّاني :

أن يكونَ هذا العالم الفاطميّ مُوافقٌ في أصولِه لما أجمعَ عليه سلفه من علماء العترة الطّاهرَة ، فلا يشذّ عنهم برأي ناجمٍ في مسألةٍ من مسائل الاعتقاد ، لأنّه محجوجٌ بالإجمَاع ، حيث أنّ دورَ العالم الفاطميّ في زمانه هُو تدريس الكتاب وصحيح السّنة وما أجمعَ عليه سلفه من أهل البيت في تبيين مُقتضاهما (الكتاب والسنّة) ، فيُعضِّدُ أقوالَهم ، ويُفهّم أهل جيلِه طريقَ النّجاة والحقّ الذي أصّلوه ليُكمِلَ بذلك السلسة العلوية فيكون من حجج الله تعالى على أهل زمانِه ، ويكونُ قولُه وشرحُه وتأليفُه وذبّه ، إضافةً إلى أقوالِ سلفه ، دليلاً للعلماء الفاطميين الذين سيأتون بعدَه ، فهُو يكونُ مصداق حديث رسول الله (ص) : ((يَرِث هَذا العِلم مِن كلّ خَلفٍ عُدولُه يَنفون عنهُ تَأويل الجَاهِلين وانتحَال المُبطلين وتحَريف الغَالين)) ، وكَم من شبهةٍ في هذا الزّمان لم يكُن قد سمعها السّلف الفاطميّ ، فيسدّ المحلّ علماء بني فاطمة الحاضرين ، ويكون نبراسُهم الكتاب والسنّة وقول سلفهِم وتوفيقُ الله تعالى الذي خُصّوا بها لاستمراريّة مُلازمَة الكتاب . تنبيه : لا يُفهم من كلامنا هذا هو دعوةُ الخلف لتقليد السّلف في مسائل الأصول تقليداً أعمَىً ، بل تقليدٌ عن طريق البحث والتمحيص ولن يكون الحقّ إلاّ فيه.


نعم! فإن انطبقَت أخي في الله الباحث عن الحق ، غير الباحث عن الإجابات الواهيَات ، والتقليد الأعمَى ، والتأثّر بالبيئة والمُجتمَع ، إن انطبقَت هذه الضوابط على أولئك العلماء الفاطميون فهم أهلٌ للتقليد والاتباع بإذن الله تعالى ، وهم من مصاديق حديث الثّقلين .

5- أيضاً ممّا يُستفادُ من حديث الثّقلين ، هُو أنّ أهل البيت المعنيّين في الحديث هُم عُلماءٌ حاضرون مُعايشون للنّاس مُخالطون لهُم ، يستفتونَهم ، ويدخلونَ عليهِم ، ويتعلّموا منهُم ، وهذا لا ينطبقُ على مَن قال بالغيبَة في حق العالِم الفاطميّ ، كما ادّعته الجعفريّة من حالِ الإمام الثاني عشر المهدي محمد بن الحسن العسكري الغائب من عام 255 هـ تقريباً .

6- أنّه سيكونٌ هُناك لا بدّ من إجماعٍ قائم لعلماء أهل البيت (ع) على مرّ الأزمان ، لعدَم خلّو الزّمان من طريق الحقّ القويم ، ولضمان الله والرّسول ببقاء العترة مُلازمَةً للكتاب ، فالحقٌ مُتمثّل في الكتاب وأهل البيت موجودٌ على مرّ الأزمان ، والحقّ من طريق هذين الثّقلين في القرن الرابع ، لن يكون غير طريق الحقّ من طريقهِما في القرن الخامس أو السّادس ، فترتّبَ عليه أن يكونَ الحقّ قائمٌ بالكتاب والعترَة على مرّ الأزمان ، وعلماء العترة يموتون جيلاً يعقبُه جيل ، فيكون الخلفُ لابدّ مُقتدياً بسلفِه من العُلماء ، فيكون هذا حتى آخر الزّمان قد شكّل إجماعاً قويّاً لا يُبارَى ، ولا ينهدّ له رُكن .
7- فائدةٌ جانبيّة تتعلّق بأصل موضوع الاتّباع لإجماع أهل البيت (ع) ، وهُو أنّه قد يُقال إنّ بعض المسائل الأصوليّة العقائديّة أو تلكَ التي من أصول الفروع الظاهرَة ، قد يكون لبعض علماء أهل البيت من السّلف أو الخلف آراءٌ مُخالفَة لما حُكِي أو يُحكَى من الإجماع التام على المسألة المُدعّى الإجماع حولَها .

إن قيل هذا ، قُلنا : اعلَم أنّه لا ينقضُ الإجماع إلاّ إجماعٌ آخَر ، ولن يتحقّق على مذهب أهل البيت (ع) ، لمكان مُضيّ الحق عن طريق السّلف الفاطميّ ، والحقّ واحدٌ على مرّ الأزمان ، هذا من جهَة ، وبخصوص هذه المُخالفَة الصادرة من بعض علماء بني فاطمَة في مسائل الأصول أو أصول الفروع فإنّا ننظرُ في حالِها ، وفي تحريرِ الإمام لها ، لأنّه لا شكّ مُصرّحٌ بالاتباع لأقوالِ سلفِه ، والخلفُ يُنزّهونَه عن هذا القول الخاطئ ، فننظرُ إلى قولِه محلّ النّقاش والخطأ فنتدبّره ، فإن كان مُحتمَل التأويل أرجعنَا الفروع إلى الأصول ، إذ قد يستخدمُ عبارات مُتشابهَة مُوهمَِة ، أو قد يكون سياق كلامه موهماً فيُعمِّم أو يُخصِّص ، وقد يكون بنَى قولَه على مصدرٍ استحسنَ الاعتمادَ عليه ظنّاً بأنّه قويّ وهو ليسَ كذلك ، ولو ظهرَ لهُ حينَها أنّه غير قويّ لما تمسّكَ به ، أو قد يكون وصلَه نقلٌ خاطئٌ عن أحدٍ من سلفهِ فاعتمدَهُ وهو لو ظهرَ له أنّه خاطئٌ ما اعتمدَه ، أو أن يكون قد أٌقحِمَ على خوض مسائل أصوليّة كلاميّة وهُو ليس بمولَعٍ في هذا الخَوض ، وغير مُحيطٍ بأبعادِه ، فتصدرُ منه ألفاظٌ موهِمَة ، وذلكَ أنّ السلف المُتقدّمين كانوا أقلّ علماً بمسائل علم الكلام من المتأخرين ، ولم يكُن لهُم عُمدةً في طلب العِلم ، وكانوا يُجملون العقائد إلاّ ما كانَ ظاهراً منها فيُفصّلونَه ، فلذلك قد تصدرُ منهم أقوالٌ مُوهمَة مُحتملَةٌ للتأويل ، يأتي من طريقهِم أنفسهُم في مواضع أخرى ما ينقضُ على الفهم الخاطئ الذي نُقلَ عنهُم ، نعم! فمَا كانَ هذا حالُه من المُؤاخذات فلا يجبُ على الباحث أن يجعلُه قادحاً في إجماع أهل البيت من هؤلاء الأفراد الأعلاَم ، لأنّه متى استحضرَ أنّ إجماعَ الخلف لابدّ أن يكون فرعٌ من إجماع السّلف ، لمكان عدم انقطاع الحقّ على مرور الأزمان ، هانَ عليه ذلك ، ولجأ إلى التأويل والتنزيه لأولئك العُلماء ، فافهم هذا فإنّه أصلٌ عظيمٌ في الاختلاف ، وأعِد قراءتَهُ قراءة مُتدبّر ففيه فائدةٌ بإذن الله ، نعم! أمّا إن كانَت مُخالفَة ذلك العالِم الفاطمي الُمجتهِد في الاتباع سلفه من أهل البيت مُخالفَة ظاهرَة غير قابلَة للتأويل ، بمعنى أنّه قد بيّنها بموقفٍ ظاهرٍ شاهرٍ ، فإنّه لا يُؤخَذُ بهذا القول الشاذ منه ، ويكونُ محجوجاً بالإجماع السّابق ، وحتماً لن يعتمدَ عليه سوادُ الخلف من علماء بني فاطمَة لمكان استمرار الفئة الفاطميّة على الحق كما قال الله والرّسول (لن ينفكّا حتى يردَا عليّ الحَوض) ، هذا كلّه في الأصول ، أمّا الفروع فلا بأس بالاجتهاد فيها دون التخطئة ، دوناً عن أصول الفروع التي أثِرَ فيها إجماعٌ فاطميٌّ قائم .

نعم! وهُنا نأتي أخي القارئ على أصل ومطلَب الموضوع ، وهُو أن نذكُرَ علماءً من أهل البيت ، من ذريّة عليّ (ع) ، وفاطمة الزّهراء ، ونثبتُ مطابقَتهم لما ذُكِرَ أعلاه من ضوابط ، وأنّ عُلومَهُم هي علوم سلفهِم ، خلفاً ، عن سلَف ، وعليها وجدوا آبائهم وبني عمومتهم وأخذوا عنهم ، وهكذا ، ونجعلُ غرضَنا الرئيسي من هذا الفِعل ، هُو الوقوف على ثَقل الله الأصغر في الأرض .
فهل نستطيعُ وأنت أخي الباحث أن نَقِفَ على ثِقَل الله الثاني في الأرض (العترة المحمديّة) ، فالثّقل الأوّل والأكبر بين يديك بلا شكّ ، ولكن كيفَ نقفُ على ثقل الله الأصغَر (أهل البيت) ، مَن هُم ، أين هُم ، معَ من هُم ؟!!! ، أم أنّ الله تعالى ورسولَه (ص) كلّفونا بما لا نستطيع ؟! عياذاً بالله تعالى ، وكيفَ يكون هذا والله القائل: ((لا يُكلّف الله نفساً إلا وُسعَها)) .
وبهذا نختم الكلام على رحلَة البحث عن الحقّ ، مُصلّينَ ومُسلّمين على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين .


كاتب المقالة : الشريف أبو الحسن الرّسي ، غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين
تاريخ النشر : 17/05/2014
من موقع : | أنـــا زيـــدي |
رابط الموقع : http://www.anazaidi.net
Print MicrosoftInternetExplorer4